|
Page 4/5
Page
5 >>
Page
6 >>
4- الاتباع دليل محبة الله تعالى:
ويدل ذلك قول الله تعالى: ﴿ قُلْ إِن
كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿31﴾﴾
[آل عمران: 31]؛ يقول ابن تيمية: « وما
ينبغي التفطن له أن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿
قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ …﴾ قال طائفة من
السلف: ادعى قوم على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنهم
يحبون الله فأنزل الله هذه الآية: ﴿
قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ …﴾ الآية، فبين
سبحانه أن محبته توجب اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وأن
اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- يوجب محبة الله للعبد، وهذه
محبة امتحن الله بها أهل دعوى محبة الله؛ فإن هذه الباب تكثر
فيها الدعاوي والاشتباه » [56]، ويقول
ابن كثير: « هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو
على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى
يتبع الشرع المحمدي والدين المحمدي في جميع أقواله وأفعاله » [57].
وقال ابن القيم: « ﴿ يُحْبِبْكُمُ اللهُ
﴾ إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها؛ فدليلها
وعلامتها اتباع الرسول، وفائدتها وثمرتها محبة المرسِل لكم،
فما لم تحصل المتابعة فليست محبتكم له حاصلة، ومحبته لكم
منتفية » [58].
ويقول: « ثباتاها -أي محبة الله- إنما يكون بمتابعة الرسول في
أعماله وأقواله وأخلاقه، فبحسب هذا الاتباع يكون منشأ هذه
المحبة وثباتها وقوتها، وبحسب نقصانها يكون نقصانها » [59].
5- الاتباع طريق تحصيل محبة رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- على الحقيقة:
أوجب الله –تعالى- على عباده محبة رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-، وتقديم ذلك على محبة النفس والمال والولد والوالد
والناس أجمعين؛ كما في الحديث: ( لا
يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين
) [60]، وقوله -صلى الله عليه
وسلم- لعمر بن الخطاب، حين قال: يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ
من كل شيء إلا من نفسي ، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (لا
والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنه
الآن والله لأنت أحب إليَّ من نفسي، فقال -صلى الله عليه وسلم-:
الآن يا عمر) [61].
ولا سبيل لتحصيل تلك المحبة للنبي -صلى الله عليه وسلم-
وتحقيقها إلا عن طريق الاتباع والحرص على الكمال فيه؛ يقول
الخطابي حول هذا المعنى: « لم يُرد به حب الطبع بل أراد به حب
الاختيار؛ لأن حب الإنسان لنفسه طبع ولا سبيل إلى قلبه، قال:
فمعناه: لا تَصْدُق في حبي حتى تفني في طاعتي نفسَك، وتؤثر
رضاي على هواك وإن كان فيه هلاكك » [62].
6- الاتباع سبيل امتثال الأوامر بطاعة
الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وتجنب الوعيد المترتب على ذلك:
أمر الله عباده بطاعة نبيه في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ… ﴾ [النساء: 59] ورتب
الوعيد الشديد على مخالفته، كما في قوله تعالى: ﴿
قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ
اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴿32﴾﴾
[آل عمران: 32]، وقوله سبحانه: ﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ
وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا
أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ
إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿24﴾﴾ [الأنفال:
24].
ولا سبيل للعبد إلى امتثال تلك الأوامر بطاعة الرسول -صلى الله
عليه وسلم- والاستجابة له وتجنب الوعيد الشديد على ذلك دنيا
وآخرة إلا بالاتباع للنبي -صلى الله عليه وسلم- والتأسي به.
7- الاتباع من صفات المؤمنين اللازمة
لهم:
ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا كَانَ
قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ
لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿51﴾ وَمَن يُطِعِ اللهَ
وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْفَائِزُونَ ﴿52﴾﴾ [النور: 51 ، 52]،
وقد نفى الله -سبحانه وتعالى- الإيمان عمن أعرض عن طاعة الرسول
-صلى الله عليه وسلم- ولم يرض بحكمه؛ فقال الله –تعالى-: ﴿
فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا
شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴿65﴾﴾
[النساء: 65].
8- الاتباع علامة من علامات التقوى:
اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- من علامات ودلائل تقوى
القلب وصحة إيمانه؛ قال الله تعالى: ﴿
ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن
تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴿32﴾﴾ [الحج: 32]
وشعائر الله: أوامره وأعلام دينه الظاهرة، ومن أبرزها وأعلاها
طاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- واتباع شرعه
[63].
حكم الاتباع:
اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- والتأسي به فيما جاء به من
ربه من الأمور المستقرة، والتي لا يسع أحد الجهل بها؛ لأنها من
المعلوم الدين بالضرورة؛ نظراً لتواتر النصوص الدالة على ذلك
واستفاضها، ومن ذلك:
1- قول الله –تعالى- : ﴿
وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
فَانْتَهُوا …﴾ [الحشر: 7]، قال
ابن كثير في تفسيره: « أي مهما أمركم به فافعلوه، وما نهاكم
عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير، وإنما ينهى عن شر » [64].
وقال الشوكاني بعد إيراده لبعض الأقوال التي قد يفهم منها أن
الآية خاصة بالفيء: « والحق أن هذه الآية عامة في كل شيء يأتي
به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أمر أو نهي أو قول أو
فعل، وإن كان السبب خاصاً فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب، وكل شيء أتانا به من الشرع فقد أعطانا إياه وأوصله
إلينا، وما أنفع هذه الآية وأكثر فائدتها »
[65].
2- قول الله –تعالى- ﴿
فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا
شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴿65﴾﴾
[النساء: 65]، يقول ابن كثير في تفسيره
لهذه الآية: « يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن
أحد حتى يحكم الرسول -صلى الله عليه وسلم- في جميع الأمور، فما
حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهرًا، ولهذا
قال: ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي
أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا
تَسْلِيمًا ﴾ أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم، فلا
يجدون في أنفسهم حرجا مما حكم به، وينقادون له في الظاهر
والباطن، فيسلموا لذلك تسليمًا كلياً، من غير ممانعة ولا
مدافعة ولا منازعة » [66].
ويقول العلامة السعدي: « ثم أقسم تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا
يؤمنون حتى يحكموا رسوله ﴿ فِيمَا
شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي: في كل شيء يحصل فيه اختلاف » [67].
3- قول الله -عز وجل-: ﴿
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن
تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿63﴾﴾
[النور: 63]، قال ابن كثير: « وقوله: ﴿
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾
أي: عن أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو سبيله ومنهاجه
وطريقته وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله
وأعماله فما وافق ذلك قُبل، وما خالفه فهو مردود على قائله
وفاعله ، كائناً ما كان » [68].
4-عن العرباض بن سارية -رضي الله
عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعظ الناس فقالوا: يا
رسول الله، إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: (قد
تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا
هالك ) [69].
5- عن عبد الله بن عمرو -رضي
الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (فمن
رغب عن سنتي فليس مني) [70]، قال
ابن حجر في شرحه له: « المراد بالسنة الطريقة، لا التي تقابل
الفرض والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره ، والمراد: من
ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيرري فليس مني » [71].
أحوال الناس والاتباع:
يختلف حال الناس في الاتباع من شخص لآخر، إذ لا يخلو حال أحد
منهم من أربعة أحوال: فمنهم من يمتثل المأمور ويكف عن اقتراف
المحظور، وهذا أكمل أحوال أهل الدين، وأفضل صفات المتقين، وهو
الذي يستحق جزاء العاملين وثواب المطيعين.
ومنهم من لا يمتثل المأمور ويقترف الحظور، وهذا أخبث أحوال
المكلفين، وشر صفات المتعبدين ، وهو الذي يستحق عذاب اللاهي عن
فعل ما أمر به من الطاعات، وعذاب المُقْدِم على ارتكاب
المنهيات، قال ابن شبرمة: « عجبت لمن يحتمي من الطيبات مخافة
الداء كيف لا يحتمي من المعاصي مخافة النار ».
ومنهم من يمتثل المأمور ويقترف المحظور، وهو الذي يستحق عذاب
المجترئ على انتهاك الحرمات وتجاوز الحدود؛ لأنه تورط بغلبة
الشهوة على الإقدام على المعصية، وإن سلم من التقصير في فعل
الطاعة.
ومنهم من لا يمتثل المأمور ولا يقترف المحظور، فهذا يستحق عذاب
ترك الطاعات والغفلة عن القربات [72].
Page
5 >>
Page 2
>>.
Page
3 >>
Page
4 >>
Page
5 >>
|