|
Page 3/5
Page
4 >>
Page
5 >>
Page
6 >>
و- أن الاتباع لا يتحقق إلا إذا
كان العمل موافقاً للشرع في ستة أمور، هي:
1- السبب: فإذا تعبد الإنسان لله
تعالى بعبادة مقرونة بسبب ليس شرعياً فهي بدعة مردودة على
صاحبها، مثل إحياء ليلة السابع والعشرين من رجب بالتهجد
يدَّعون أنها ليلة الإسراء والمعراج [34]
، فالتهجد في أصله عبادة، لكن لما قرن بهذا السبب كان بدعة،
لكونه بني على سبب لم يثبت شرعاً.
2- الجنس: فإذا تعبد الإنسان لله
تعالى بعبادة لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة، كالتضحية بفرس؛
لأن الأضاحي لا تكون إلا من جنس بهيمة الأنعام وهي الإبل -
البقر - الغنم.
3- القدر: فلو أراد إنسان أن
يزيد صلاة على أنها فريضة أو ركعة في فريضة، فعمله ذلك بدعة
مردودة؛ لأنها مخالفة للشرع في المقدار أو العدد.
4- الكيفية: فلو نكس إنسان
الوضوء أو الصلاة لما صح وضوؤه ولا صلاته ؛ لأن عمله مخالف
للشرع في الكيفية.
5- الزمان: فلو ضحى إنسان في
رجب، أو صام رمضان في شوال، أو وقف بعرفات في التاسع من ذي
القعدة لما صح ذلك منه؛ لمخالفته للشرع في الزمان.
6- المكان: فلو اعتكف إنسان في
منزله لا في المسجد ، أو وقف يوم التاسع من ذي الحجة بمزدلفة
لما صح منه؛ لمخالفته للشرع في المكان [35].
ز- الأصل في العبادة بالنسبة
للمكلف التعبد والامتثال دون الالتفات إلى الحكم والمعاني، وإن
كانت ظاهرة في كثير منها، يقول الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-
مقررا ذلك: « يجب أن نعلم أن ما أمر الله به ورسوله، أو نهى
الله عنه ورسوله فهو الحكمة، فعلينا أن نسلم، ونقول إذا سألنا
أحد عن الحكمة في أمر من الأمور: إن الحكمة أمر الله ور سوله
في المأمورات، ونهي الله ورسوله في المنهيات، ودليل ذلك من
القرآن الكريم : قوله تعالى: ﴿ وَمَا
كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ
وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 36]،
وسئلت عائشة -رضي الله عنها- (ما بال
الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كان يصيبنا ذلك
فنؤمر بقضاءالصيام ولا نؤمر بقضاء الصلاة)
[36] فاستدلت بالسنة ولم تذكر العلة،
وهذا هو حقيقة التسليم والعبادة، أن تكون مسلِّماً لأمر الله
ورسوله عرفت حكمته أم لم تعرف، ولو كان الإنسان لا يؤمن بالشيء
حتى يعرف حكمته لقلنا: إنك ممن اتبع هواه فلا تمتثل إلا حيث
ظهر لك أن الامتثال خير » [37].
ولله در الفاروق عمر -رضي الله عنه- حين قال: « فيم الرَمَلان
والكشف عن المناكب وقد أطَّأ الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله؟
مع ذلك لا ندع شيئًا كنا نفعله على عهد رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- » [38].
ولا يفهم أحد مما سبق أن البحث عن الحكم والمعاني في العبادات
التي دلت عليها القرائن ليس بمطلوب، كيف لا وقد ذكر الله تعالى
ورسوله -صلى الله عليه وسلم- الشرك شيئًا من ذلك مثل قول الله
تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
﴾ ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
﴾ ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
﴾ ، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنما
جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر
الله) [39]، ولكن المراد التحذير
من التنطع في استخراجها، أو ربط القيام بالتنفيذ والعمل
بمعرفتها، والأصل في العادات والمعاملات الالتفات إلى المعاني
والبحث عن الحِكَم ، وإن كانت قد لا تظهر في أشياء منها [40].
ح- المشقة ليست مقصودة في
الشريعة، ولذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للشيخ الذي
نذر أن يمشي وكان يهادي بين ابنيه: (إن
الله عن تعذيب هذا نفسه لغني)، وأمره أن يركب [41]، قال العز بن عبد السلام مقررًا
ذلك: « لا يصح التقرب بالمشاق؛ لأن القرب كلها تعظيم للرب -سبحانه
وتعالى- وليس عين المشاق تعظيمًا ولا توقيرًا »
[42]، والمراد من العبد هو اجتناب النهي وامتثال الأمر
بقدر الاستطاعة بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم-: (فإذا
نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ،وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما
استطعتم) [43]، ومبنى الشريعة
والأصل فيها: التيسير ورفع الحرج عن العباد؛ بدليل قول الله –تعالى-
: ﴿ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ
عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ﴾ [المائدة: 6]،
ولذا كان تفاوت الأجر والثواب مترتبًا على تفاوت رتب الأعمال
ومقدار شرفها، عظمت المشقة أو قلت [44].
ولكن لا شك أن المشقة غير المقصودة التي تلحق المكلف بسبب
أدائه للعمل المشروع تزيد في ثوابه، قال الله –تعالى-: ﴿ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ
مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا
يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً
إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾
[التوبة: 120]، وعن جابر -رضي الله عنه-
قال: كانت ديارنا نائية عن المسجد فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقرب
من المسجد فنهانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (إن
لكم بكل خطوة درجة) [45]، وقال
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعائشة حين قالت: (يا
رسول الله، يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك؟: انتظري، فإذا طهرت
فاخرجي إلى التنعيم فأهلي ثم ائتينا بمكان كذا، ولكنها على قدر
نفقتك أو نصبك) [46].
يقول العز بن عبد السلام في كلام له نفيس حول ذلك: « إن قيل :
ما ضابط الفعل الشاق الذي يؤجر عليه أكثر مما يؤجر على الخفيف؟
قلت: إذا اتحد الفعلان في الشرف والشرائط والسند والأركان وكان
أحدهما شاقًا فقد استويا في أجرهما؛ لاستوائهما في جميع
الوظائف وانفرد أحدهما بتحمل المشقة لأجل الله –تعالى- فأثيب
على تحمل المشقة لا على عين المشاق » [47].
منزلة الاتباع في الشريعة:
للاتباع منزلة عظيمة في الشريعة الإسلامية، ويتضح ذلك من خلال
ما يلي:
1- الاتباع شرط لقبول العبادات:
لا قبول لعمل من الأعمال العبادية إلا بالاتباع والموافقة لما
جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم-، بل إن الأعمال التي تُعمل
بلا اتباع وتأس لا تزيد عاملها من الله إلا بعدًا؛ وذلك لأن
الله تعالى إنما يعبد بأمره الذي بعث به رسوله -صلى الله عليه
وسلم- لا بالآراء والأهواء ؛ قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا
فهو رد) ، قال الحسن البصري: « لا يصح القول إلا بعمل،
ولا يصح قول وعمل إلا بنية، ولا يصح قول وعمل ونية إلا بالسنة
» [48]، ويقول ابن رجب: « فكما أن كل
عمل لا يراد به وجه الله –تعالى- فليس لعامله فيه ثواب؛ فكذلك
كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل
من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في
شيء » [49].
2- الاتباع أحد أصلي الإسلام الأساسيي:
الإخلاص وإفراد الله بالعبادة هو حقيقة إيمان العبد وشهادته
بأن لا إله إلا الله، والاتباع والتأسي برسول الله -صلى الله
عليه وسلم- هو حقيقة إيمان العبد وشهادته بأن محمداً رسول الله
، فلا يتحقق إسلام عبد ولا يقبل منه قول ولا عمل ولا اعتقاد
إلا إذا حقق هذين الأصلين « الإخلاص - الاتباع »، وأتى
بمقتضاهما؛ قال الله –تعالى-: ﴿ فَمَن
كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا
وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدً﴾
[ الكهف: 110]، ويقول ابن تيمية: «
وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان، أحدهما: ألا نعبد إلا الله،
والثاني: الا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة،
وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً
رسول الله » [50]، ويقول ابن القيم: «
فلا يكون العبد متحققًا بـ ﴿ إِيَّاكَ
نَعْبُدُ ﴾ [الفاتحة: 5] إلا
بأصلين عظيمين: أحدهما: متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-،
والثاني: الإخلاص للمعبود » [51].
ويقول ابن أبي العز الحنفي: « فهما توحيدان لا نجاة للعبد من
عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول -صلى
الله عليه وسلم- » [52].
3- الاتباع سبب لدخول الجنة:
ويدل لذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: (
كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله، ومن
يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)
[53]، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-
في قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ
وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ [آل
عمران: 106] « فأما الذين ابيضت وجوههم فأهل السنة
والجماعة وأولوا العلم، وأما الذين اسودت وجوههم فأهل البدع
والضلالة » [54].
وقال الزهري رحمه الله تعالى: « الاعتصام بالسنة نجاة » [55].
Page
4 >>
Page 2
>>.
Page
3 >>
Page
4 >>
Page
5 >>
|