تباع النبي في ضوء الوحيين


Page 2/5

Page 3 >>

Page 4 >>

Page 5 >>

Page 6 >>

ب- يجب على المسلم البحث عن الحكم الشرعي والتثبت فيه ق

الأفعال النبوية من حيث الاتباع والتأسي:
تنقسم أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- من حيث الاتباع والتأسي إلى ثلاثة أقسام هي:

1- الأفعال الجبلية: كالقيام والقعود والشرب والنوم ونحو ذلك، وهي نوعان من جهة التأسي والاتباع:
نوع جاء النص الخارجي عن الفعل بإيجابه أو ندبه، كالأكل باليمين، والشرب ثلاثاً وقاعدًا، والنوم على الشق الأيمن، فهذا يشرع التأسي والاقتداء به في ذلك.

ونوع لم يأت نص دل على مشروعيته، وهو باق على الأصل من حيث الإباحة للجميع؛ وذلك لأن «الأوصاف التي يطبع عليها الإنسان كالشهوة إلى الطعام والشراب لا يطلب برفعها ولابإزالة ما غرز في الجبلة منها » [13].
وهذا النوع محل خلاف بين أهل العلم في مشروعية التأسي والاقتداء به -صلى الله عليه وسلم- فيه على جهة الندب على قولين:

أ- أن التأسي والاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا النوع مندوب، وقد كان ابن عمر -رضي الله عنه- يفعل مثل ذلك وإن كان قد فعله -صلى الله عليه وسلم- اتفاقا ولم يقصده.
ب- أنه لا يشرع التأسي والاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ،وهذا قول جمهور الصحابة -رضي الله عنهم- وفعلهم، ومنهم الفاروق وعائشة -رضي الله عنهما- كما في كلاهمهما المتقدم [14].
ويلحق بالأفعال الجبلية: الأفعال التي فعلها النبي -صلى الله عليه وسلم- بمقتضى العرف والعادة كلبس الجبة والعمامة وإطالة الشعر ونحو ذلك؛ إذ لا تدل على الأظهر على غير الإباحة إلا إذا ورد دليل على مشروعيتها [15].

2- الأفعال التي علم أنها من خصائص -صلى الله عليه وسلم-:
 ذكر أهل العلم في باب خصائصه -صلى الله عليه وسلم- أمورًا من المباحات والواجبات والمحرمات، بعضها متفق على حكمه بالنسبة له -صلى الله عليه وسلم-، وبعضها الآخر فيه خلاف ليس المقام مقام تحريرها... فمن المباح له: الزيادة على أربع نسوة في النكاح، والنكاح بلا مهر، ونكاح الواهبة نفسها، ومن الواجب عليه: وجوب التهجد وقيام الليل، ومن المحرم عليه: الأكل من الصدقة، وأكل ذي الرائحة الخبيثة كالثوم والبصل.
فهذه خصائص لا يشاركه فيها أحد ولا يُقتدى ويتأسى به فيها [16]
؛ قال الشوكاني: « والحق أنه لا يُقتدى به -صلى الله عليه وسلم- فيما صرح لنا بأنه خاص به كأئنا ما كان إلا بشرع يخصنا » [17].

ويلحق بهذا ويرجع إليه: ما خصَّ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعض أصحابه دون بعض، كشهادة خزيمة التي جعلها النبي -صلى الله عليه وسلم- تعدل شهادة رجلين، وأضحية أبي بردة الذي ضحى بجذعة من المعز ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- له: (اذبحها ولن تصلح لغيرك) [18]
، كما يلحق به ما خص به -صلى الله عليه وسلم- أهل بيته -رضي الله عنهم- كالمنع من أكل الصدقة.

3- الأفعال التعبدية: وهي الأفعال غير الجبلية وغير الخاصة التي يقصد بها التشريع ، فهذه مطلوب الاقتداء والتأسي به -صلى الله عليه وسلم- فيها ، وهي الأصل في أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- لقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ …﴾ [الأحزاب: 21]
، إلا أن صفتها الشرعية تختلف من حيث الإيجاب أو الندب بحسب القرائن.

قواعد مهمة في الاتباع: 
لتقرير ما سبق حول مفهوم الاتباع وحقيقته أذكر القواعد التالية:

أ- إن مبنى دين الإسلام على الوحي والنقل الصحيح لا العقل والاستنباط، فما جاءنا من أمر ونهي في كتاب الله –تعالى- أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وجب علينا قبوله والمبادرة إلى امتثاله فعلاً أو تركاً.
ولذا كان السلف رحمهم الله يدورون مع النصوص حيث دارت ويحكمون على الرجل بأن على الطريق ما كان على الأثر [19]
، قال الزهرى: « من الله الرسالة، وعلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- البلاغ، وعلينا التسليم » [20].

وقال ابن أبي العز شارحًا قول الطحاوي: « ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام: أي لا يثبت إسلام من لم يُسلم لنصوص الوحيين وينقاد إليها ولا يتعرض عليها ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه » [21].
وما أجمل مقولة الخليفة الراشد علي -رضي الله عنه- حين قال: « إياكم والاستنان بالرجال؛ فإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل الجنة فيموت وهو من أهل الجنة، فإن كنتم لابد فاعلين فبالأموات لا بالأحياء. وأشار إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام » [22].
ومقولة أبي الزناد -رحمه الله- « إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرًا على خلاف الرأي، فما يجد المسلمون بدا من اتباعها، من ذلك: أن الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة » [23].
بل إتيان العمل في جميع شئون حياته لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) [24]
، وتطبيق ذلك هو حقيقة الاتباع والتأسي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، يقول الشاطبي حول ذلك: «كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل» [25].

ج- المراد باتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- العمل بكل ما جاء به من أوامر ونواهي في القرآن الكريم باعتباره وحيًا من الله –تعالى- إليه -صلى الله عليه وسلم-، والعمل بالسنة المطهرة؛ يقول -صلى الله عليه وسلم-: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) [26]
، قال عطاء: « طاعة الرسول: اتباع الكتاب والسنَّة » [27]، وقال العلامة السعدي: « وإن ما جاء به الرسول يتعين على العباد الأخذ به واتباعه ولا تحل مخالفته، وإن نص الرسول على حكم كنص الله –تعالى- لا رخصة لأحد ولا عذر في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله » [28].

د- ما تركه النبي -صلى الله عليه وسلم- من جنس العبادات ولم يفعله مع وجود المقتضي لفعله على عهده -صلى الله عليه وسلم- ففعله بدعة، وتركه سنة، كالاحتفال بالمولد وإحياء ليلة الإسراء والمعراج، والهجرة، ورأس السنة، ونحوها، يدل لذلك قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) [29]
، يقول الإمام مالك -رحمه الله-: « فما لم يكن يومئذٍ دينا فلا يكون اليوم دينًا » [30]، ويقول ابن تيمية: « والترك الراتب سنة، كما أن الفعل الراتب سنة » [31] ويقول ابن كثير: « وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل أو قول لم يثبت عن الصحابة -رضي الله عنهم- هو بدعة؛ لأنه لو كان خيراً لسبقونا إليه » [32].

هـ- كل ما يحتاجه الناس في أصول وفروعه، في أمور الدنيا والآخرة من العبادات والمعاملات في السلم أو الحرب، في السياسة أو الاقتصاد.. إلخ جاءت الشريعة ببيانه وإيضاحه؛ قال الله –تعالى-: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ [النحل: 89] وقال سبحانه: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، وقال رجل من المشركين لسلمان الفارسي: قد علمكم نبيكم -صلى الله عليه وسلم- كل شيء حتى الخراءة، فقال: ( أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول... ) الحديث [33].

 

Page 3 >>

Page 2 >>.

Page 3 >>

Page 4 >>

Page 5 >>