اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- أحد ركائز
دين الإسلام وأساسياته، ومن مُسلمات الشريعة والأمور المعلومة
منها بالضرورة، وقد استفاضت النصوص الشرعية الصحيحة في بيان
ذلك والتأكيد عليه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿
وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]، وقوله
-عز وجل-: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ
فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ
عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴿80﴾﴾ [النساء: 80]،
إلا أن ذلك لم يمنع انحراف طوائف من المسلمين عن سلوك الجادة
فيه ولزوم الطريق السوي، حيث اضطربت فيه أفهام وزلت أقدام؛ مما
جعل الحاجة لإيضاحه تعظم، والبيان يتوجب ، ولذا: فسأحاول في
هذه الدراسة التعريج عليه لإظهار حقيقته وحكمه، وتجلية منزلته
وشيء من مظاهره، وبيان السبل المعينة على فعله وبعض عوائقه،
راجيا من ربي الغفور أن يوفق للخير ويصلح القصد، إنه على كل
شيء قدير وبالإجابة جدير.
الاتباع في اللغة:
مصدر اتبع الشيء إذا سار في أثره وتلاه، والكلمة تدور حول
معاني اللحاق والتطلب والاقتفاء والاقتداء والتأسي.
يقال: اتبع القرآن: ائتم به وعمل بما فيه، واتبع الرسول -صلى
الله عليه وسلم-: اقتدى به واقتفى أثره وتأسى به [1].
الاتباع في الشرع:
هو الاقتداء والتأسي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في
الاعتقادات والأقوال والأفعال والتروك، يعمل مثل عمله ، على
الوجه الذي عمله -صلى الله عليه وسلم- من إيجاب أو ندب أو
إباحة أو كراهة أو حظر، مع توفر القصد والإرادة في ذلك.
- ويكون الاتباع للنبي -صلى الله عليه وسلم- في الاعتقادات:
بأن يعتقد العبد ما اعتقده النبي -صلى الله عليه وسلم-، على
الوجه الذي اعتقده، من ناحية الوجوب أو البدعة، أو لكونه من
أسس الدين أو ناقضًا لأصله أو قادحًا في كماله... إلخ. من أجل
أنه اعتقده -صلى الله عليه وسلم-.
- ويكون الاتباع للنبي -صلى الله عليه وسلم- في الأقوال:
بامتثال مدلولها، وما جاءت به من معاني، لا أن تكرر ألفاظها
وتردد نصوصها فحسب، فمثلاً: الاتباع لقوله -صلى الله عليه
وسلم-: (صلوا كما رأيتموني أصلي)
[2] يكون بالصلاة كصلاته، والاتباع
لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا
تحاسدوا ولا تناجشو) [3] بترك
الحسد والنجش، والاتباع لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (من
سئل عن علم عَلِمه ثم كتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار)
[4] ينشر الإنسان لعلمه الصحيح النافع
وعدم كتمانه له.
- كما يكون الاتباع للنبي -صلى الله عليه وسلم- في الأفعال:
بأن تفعل مثل فعله، على الوجه الذي فعله، من أجل أنه فعله.
فقولنا: « مثل فعله »؛ لأنهه لا تأسي مع اختلاف صورة الفعل
وكيفيته.
وقولنا: « على الوجه الذي فعله »: معناه المشاركة في غرض ذلك
الفعل ونيته -إخلاصاً، وتحديداً للفعل من حيث كونه واجباً أو
مندوباً ؛ لأنه لا تأسي مع اختلاف الغرض والنية، وإن اتحدت
صورة الفعل.
وقولنا: « من أجل أنه فعله »؛ لأنه لو اتحدت الصورة والقصد ولم
يكن المراد التأسي والاقتداء فإنه لا يكون اتباعاً.
ولتوضيح الاتباع في الفعل: لو أردنا أن نقتدي بالنبي -صلى الله
عليه وسلم- في صومه فلابد أن نصوم على الصورة التي صامها -صلى
الله عليه وسلم-، بحيث نمسك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر
الصادق إلى غروب الشمس، بقصد التقرب إلى الله –تعالى- ، فلو
أمسك أحدنا عن بعض المفطرات فقط لم يكن متبعاً، كما لو أمسك في
جزء من الوقت فقط لم يكن متبعاً.
كما لابد أن نصوم على الوجه الذي صامه -صلى الله عليه وسلم- من
ناحية القصد بحيث نريد بصيامنا وجه الله –تعالى- وصيام الواجب
أداءً أو قضاءً أو نذراً، أو النفل، كالقصد الذي صام لأجله -صلى
الله عليه وسلم- [5].
كما لابد أن نصوم من أجل أنه صام -صلى الله عليه وسلم-؛ ولذا
لا يعد الشخص متأسياً بشخص آخر غير النبي -صلى الله عليه وسلم-
يشاركه في الصورة والقصد إذا كان كل منهما يعمل ذلك امتثالاً
لأمر الله –تعالى- واتباعا لرسوله -صلى الله عليه وسلم-.
- ويكون الاتباع للنبي -صلى الله عليه وسلم- في التروك: بأن
ترك ما ترك ، على الصفة والوجه الذي ترك، من أجل أنه ترك، وهي
القيود نفسها في الاتباع في الأفعال.
ولتوضيح ذلك: قام النبي -صلى الله عليه وسلم- بترك الصلاة عند
طلوع الشمس، فيترك المتأسي الصلاة في ذلك الوقت على الوجه الذي
ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- ، لأجل أنه ترك
[6].
المخالفة ضد الاتباع:
ضد الاتباع المخالفة، وتكون في الاعتقاد والقول والفعل والترك.
أما المخالفة في الاعتقاد فتكون بأن يعتقد العبد خلاف ما
اعتقده النبي -صلى الله عليه وسلم-، كأنٍ يستحل إنسان ما عُلم
بالضرورة تحريمه من دين الإسلام، أو يوجب ما علم بالضرورة حله
أو تحريمه من دين الإسلام، ومثل أن يبتدع عبد في دين الله –تعالى-
ما ليس منه، ومثل أن يعتقد أحد بأن للمخالفين لشرع الله –تعالى-
وما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- هم أولياء الله وأحبته.
والمخالفة في القول تكون بترك امتثال ما اقتضاه القول ودل عليه
من وجوب أو حظر.
والمخالفة في الفعل تكون بالعدول عن مثله مع كونه واجباً.
وللمخالفة في الترك تكون بفعل ما ترك مع كونه محرماً.
ولا تكون للمخالفة في ترك المندوب وفعل المكروه، بل لا تكون
إلا في ترك الواجب وفعل المحرم، سواء أكانت مخالفة في القول أم
الفعل أم الترك [7].
علاقة الاتباع بالزمان والمكان:
لا علاقة للزمان المخصص أو المكان المخصص بالفعل لمجرد وقوعه
فيه إلا بدليل خارجي عن ذلك الفعل، فإن خصص المصطفى -صلى الله
عليه وسلم- لنا بذلك الدليل الخارجي لذلك الفعل زماناً أو
مكانا خصصناه به، كتخصيص الطواف بالكعبة، والاستلام بالحجر
الأسود والركن اليماني مع اختلاف في الصفة، والصيام الواجب
بشهر رمضان، والوقوف بعرفات في اليوم التاسع من ذي الحجة،
وعيدي الفطر والأضحى بوقتهما المعروف.
وأما ما فعله بحكم الاتفاق والمصادفة، ولم يقصده لذاته، فلا
تشرع فيه المتابعة ولو تكرر ذلك، مثل: أن ينزل بمكان، ويصلي
فيه لكونه نزل فيه، لا قصدًا لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه،
فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه أو النزول لم نكن
متبعين على الأصوب، وقد ورد نهي الفاروق عمر -رضي الله عنه-
حين رأى الناس في سفر يتبادرون إلى مكان فسأل عن ذلك، فقالوا:
قد صلى فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فقال: « إنما هلك أهل
الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعاً، فمن
عرضت له الصلاة [أي: في موضع صلاته -صلى الله
عليه وسلم-]، فليصل أو فَلْلَمضِ » [8]،
وفي رواية أنه قال: « من أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد
التي صلى فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فليصل فيها وإلا
فلا يتعمدها » [9]، وتؤكد هذا المعنى أم
المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- فتقول: (نزول
الأبطح ليس بسنة، إنما نزله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج) [10].
وقد قرر كثير من أهل العلم هذا المعنى: كابن تيمية في الفتاوى [11]، والآمدي في إحكامه حيث قال: « ...
فلو وقع فعله في مكان أو زمان مخصوص فلا مدخل له في المتابعة
والتأسي، وسواء تكرر أو لم يتكرر، إلا أن يدل الدليل على
اختصاص العبادة به، كاختصاص الحج بعرفات، واختصاص الصلوات
بأوقاتها، وصوم رمضان » [12]